محمد الغزالي
233
خلق المسلم
فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى إلى رأيهم ، ترغب الملائكة في خلتهم ، وبأجنحتها تمسحهم ، ويستغفر لهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه ، وسباع البر وأنعامه ، لأن العلم حياة القلوب من الجهل ، ومصابيح الأبصار في الظلم ، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار ، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ، التفكر فيه يعدل الصيام ، ومدارسته تعدل القيام ، به توصل الأرحام ، وبه يعرف الحلال من الحرام ، وهو إمام والعمل تابعه ، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء ) « 1 » . * * * وتعلم اللغات الأخرى من سنن الإسلام ، وقد سبق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الانتفاع بهذا العلم فأمر كاتبه « زيد بن ثابت » بإجادة السريانية . قال زيد : أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتعلمت له كتاب يهود بالسريانية . وقال : إني واللّه ما آمن يهود على كتابي ! قال زيد : فو اللّه ما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته وجدت فيه ، فكنت أكتب له إليهم ، وأقرأ له كتبهم إليه « 2 » . وفهم لغات الشعوب يعد من ضرورات الإسلام ، فإن رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الناس قاطبة ، وجمع الناس على لسان واحد مستحيل . كيف ؟ واختلاف الألسنة من آيات اللّه ؟ فنقل تعاليم الإسلام إلى أمم الأرض بالألسنة التي يفهمون ، أقرب إلى العقل والواقع من نقل أجناس البشر إلى لسان العرب . وقد قال المفسرون في شرح قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ « 3 » : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعث من العرب وبلسانهم ، ولكنه يرسل مبعوثيه إلى الأطراف فيترجمون بألسنتهم ، ويدعونهم إلى اللّه بلغاتهم ! ! وقالوا : إما أن ينزل القرآن بجميع الألسنة ، أو بواحد منها ، ولا حاجة لنزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل ، فتعين أن ينزل بلسان واحد ، فكان لسان قومه أولى بالتعيين لأنهم إليه أقرب ، ولأن التحريف عنه أبعد . .
--> ( 1 ) ابن عبد البر . ( 2 ) البخاري . ( 3 ) إبراهيم : 4 .